عند باب السماء
عند باب السماء: لحظة ختم القرآن في الحرم المكي، لحظة لا تشبه غيرها، توقيت لا يعرفه الزمن العادي، لحظةُ تُثقل الأرواح بحمولة النور، وتترقرق الدموع في المآقي كأنها تغتسل من وعثاء الدنيا. الجوارح كلها تصغي، والقلب يتفتّح كوردةٍ عطشى مسّها ندى السماء.
حين أنهى الإمام آخر آيات الكتاب العزيز، تشعر كأنّ السماء قد أزاحت حجابها، وكأنّ كلّ حرف تليته أو سمعته طوال الشهر كان يُرصُّ لبنة لبنة في قصر الرجاء.. ثم تُطلق الأرواح تنهيدة امتنان، وكأنها وصلت بعد طول ترحال إلى ميناء الأمان.
في الحرم المكي، حيث تصطف القلوب لا الأجساد فقط، تُختم الآيات كأنها تَختم على الصدور بخاتم المسك. يتلو الإمام دعاء الختمة، وتبدأ النفوس ترتجف: هذا صوت الرجاء، صوت البكاء، صوت التوسل، صوت عبدٍ ينزل مطاياه بباب ربه، يطرق الباب بدمعه لا بكفه، برجائه لا بصوته. وتسمع في الخلف نحيبًا مكتومًا، وآهات تتصاعد في خشوع، وكأن الجدران نفسها تبكي.
القرآن هنا لا يُتلى فقط، بل يُعاش.. منذ أول ليلة، والقلوب تمشي مع كل سورة، تسافر بين نداءات الرحمة وآيات العذاب، ترتقي مع النور، وتهبط بخشوع على مواضع السجود، وفي آخر ركعة، حين الختم: كأنما أُسدِل الستار على عرضٍ سماويٍّ من الرحمة، عاشه المرء بكل جوارحه.
تتفتّح الروح كأنها وُلدت من جديد، كأنك لم تكن تصلي، بل كنت تبني جسرًا من نور، ممتدًا من قلبك إلى العرش، وكل دعاء في تلك اللحظة يصبح سهمًا من لهفة، يطلب القبول، يرجو النظر، ويتمنّى الخاتمة الطيبة.
في تلك اللحظة العذبة، تشعر أن الله أقرب إليك من نبضك، وأن الحرم، برغم جلاله وعظمة ومهابة بنيانه، يضيق أمام عظمة ما تحمله القلوب من رجاء..
لقد كنا في حفلة عظيمة عظيمة عظيمة، المتحدث فيها هو: الله.