وأنا لمسنا السماء

درسٌ جنيٌّ ﴿وأنا لمسنا السماء﴾:
الأمور في هذا الكون تجري بأسبابها، حتى في الأمور التي تكون خارج الإدراك والتصور الأولي.
تأملت ذلك وأنا أقرأ قول الله عز وجل في سورة الجن، على لسانهم: ﴿وأنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرسا شديدا وشهبا﴾.

فهؤلاء الجن عملوا بالأسباب، وصعدوا، واسترقوا السماع، بذلوا جهدًا في هذه المهمة.
وقد كانوا يتحصلون بعضَ النتائج، ويسمعون بعض الأخبار، قال الله عنهم: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾. وفي البخاري: أنه حيل بينهم وبين خبار السماء بعد ذلك.

لقد كان منعهم بعد ذلك من استراق السماء هو نزول القرآن، وحفظه حتى لا يلبسوا على الناس. وهذا ليس موضوعنا، وإنما المقصود أن هؤلاء تجاوزوا حدود الأرض وعملوا بالأسباب وانطلقوا يبتغون سماع الأخبار من الملأ الأعلى!

هذا درس جنيٌّ في الإصرار، والعمل بالسبب، والبحث عن الأسباب، ينبغي أن نستلهمه منهم!

بل إنهم حين مُنعوا من الاستراق للسمع بالشُهب: ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾، لمّا مُنعوا ذهبوا للتفتيش عن عن سبب هذا المنع الجديد الحازم، فلم يستسلموا للأمر ابتداء، ففي الصحيحين أن الجنّ قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء).
حتى تبين لهم أن السبب هو نزول القرآن، وأن هذا الطريق أصبح محميًا لشرط حفظ القرآن.

إن البحث والتفتيش والتنقيب عن الأسباب وما وراءها وإن بدا شاقًا، لكنه متعة، وهو طريق النجاح، وغالبًا ما يوصل إما للهدف أو لنتيجة أفضل من الهدف!

فهؤلاء الجن وصلوا لأفضل من هدفهم، ففي الصحيحين أنهم لما ضربوا في الأرض يبحثون عن سبب منعهم من استراق السمع، مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي الفجر بأصحابه، فأنصتوا لسماع القرآن، ورجعوا إلى قومهم يخبرونهم السبب، وسجل القرآن ذلك عنهم: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا • يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا﴾.

فاهتدوا، وآمنوا، بل ورجعوا إلى قومهم منذرين، وأصبحوا دعاةً للهدى كما أخبر القرآن عنهم في الآيات من 29 – 32 من سورة الأحقاف.

هناك درسٌ آخر مستفاد من هذه الآية، غير متعلق بإخواننا الجن، سأذكره لك لاحقًا مستقلًا، فقد أطلتُ.

الله الله يا صديقي، لا يكون الجن أفهم منّا بالأسباب ابتداءً، وفاعليّةِ القرآن انتهاءً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى