وإما تعرضّن
حقيقةً كلما مررت على قول الله تعالى: ﴿وإما تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾ [الإسراء: ٢٨]،
أقول في نفسي: لماذا عبّر بالإعراض هنا؟!
تحليل الآية:
إذا جاءك فقير أو محتاج من الأقربين أو غيرهم، ولم تجد ما تعطيهم، فأشعرهم بأنه لا يوجد لديك، وأنك تنتظر رحمة الله ورزقه، وحين تنزل رحمة الله ورزقه فسوف تعطيهم ولن تنساهم.
قل لهم ذلك بيسر وانبساط وجه واهتمام بأمورهم وحاجتهم.
لماذا جاء بعبارة الإعراض “تعرضنّ”؟!
حقيقةً لم أهتدِ إلى الآن لفهمٍ أو إجابةٍ مقنعة، لكني حاولت أن أفهم الكلمة في سياقها، وأرجو ممن يفتح الله عليه بشيء أن ينشره لنا.
لأنه كان من التناسق -في مفهومنا طبعًا- أن يكون التعبير بلفظةٍ ألين، كـ: وإما تعتذرن لهم، وإما لا تجد، وإما تعدهم… الخ.
ولكن لا بأس بأن أذكر بعض ما قد يكون فهمًا للتعبير بهذه اللفظة:
– أن الإعراض قد يكون بسبب الحياء من رد الفقير خصوصًا إن كان من ذوي القربى، فلذلك يلجأ الشخص للإعراض وعدم الرد، وقد رووا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك حياءً ممن يسأله، فنزل القرآن ببيان أن الأفضل الرد بإحسان والوعد الجميل بالإعطاء فور وصول الرزق والخير والرحمة من الله.
– وقد يكون ذلك التعبير وصفًا للحالة من جهة فهم السائل، فإنه يرى كل تصرفٍ من المسؤول إعراضًا، ولذلك شدد القرآن على القول الرفيق له، والقول الميسور، والقول المعروف، والصبر على أي أذية محتملة منه، لأنه في وضع صعب، وقد يصدر منه ماليس مرضيًا.
– وقد يكون هناك محذوفًا مقدرًا، والتقدير: وإذا سألك ذوو القربى من الفقراء والمساكين وغيرهم، وليس عندك ما تعطيهم، فحصل منهم أذىً لك حال سؤالهم بالقول أو بالفعل والطريقة؛ فأعرض عن ذلك الأذى، وعِدهم بالخير إذا جاءك، وقل لهم قولًا ميسورًا.
– وقد يكون المعنى حسيًا، أي أعرضت عنهم وذهبت للعمل والسعي الذي يكون سببًا ورجاءً لنزول رحمة الله ورزقه، فتعطيهم بعد ذلك. فيكون الإعراض هنا القصد به تركهم حتى حين.
هذا ما فتح الله به، وقد يفتح الله علينا وعليكم بغيره من المعاني المتدبَرة.