وتصدّق علينا
ذهبتِ الأيام، وتغير الحال، وأصبح يوسفُ البئر حفيظًا على خزائن الأرض، والمشتَرى بثمنٍ بخس، أصبح يوفي الكيل وهو خير المنزلين!
تغير كل شيء، إخوته الذين كانوا يخططون لقتله أو طرحه أرضًا أصبحوا أسارى خططه وكيده.
الذين وضعوه في البئر ليخلوا لهم وجه أبيهم أصبحوا يبحثون عن نظرة من وجه يوسف عاطفة!
مارس يوسف معهم فنون الزجر طويلة المدى، وحقق مراده المتعدد، فاجتمع بأخيه، وراعهم فقدُ أخيهم الذي أعطوا الميثاق لأبيهم فيه، فلعلهم أحسّوا بلوعةِ أبيهم حين فقدَ يوسف، وبروعِ يوسف حين أُخفي قسرًا عن وجه أبيه.
خططُ يوسف محكمة، ايتوني بأخ لكم من أبيكم، اجعلوا بضاعتهم في رحالهم، آوى إليه أخاه، جعل السقاية في رحل أخيه، أذّن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون، فما جزاؤه إن كنتم كاذبين، من وُجد في رحله فهو جزاؤه، معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده.
يخطط، يجهز، يحدد، ثم يتركهم هم يسيرون بأقدامهم إلى مصايده، ويقررون على أنفسهم الجزاء. لقد عقدوا اجتماعًا قبل عشرات السنين للتخطيط لإيقاعه في المصيدة!
في غمرة ذلك كله، أتوا، لكن هذه المرة يحملون هذا الانكسار الموجع: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾ .
هنا، لم يتمالك يوسف نفسه، يمكن أن تناور، إلا حين يصل الأمر بأخيك، صديقك، خصمك… إلى أن يقول: مسّني الضر.. تصدّق علينا..
لحظة الانكسار هذه تقتل العظماء، تفتك بالكرماء، يمكن أن يصارعك بكل سلاح، إلا حين تنكسر بين يديه.
مباشرة، أظهر نفسه، وأخبرهم بسره، وترك بقية خططه، ونسب فعلتهم وجرائمهم إلى الجهل!: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون﴾ .
هذا اليوسف عجيب كريم، وكرمه متعدد الوجوه.. فلنتعلم منه.