عتبة الأربعين

حين تتجاوز الأربعين، يبدأ صدى الأيام يهمس لك بحقيقة الرحلة، ويصبح القلب أكثر صفاءً حين يوقن أن المآل إلى الله، وأن البقاء في الدنيا مؤقت، والعقل أن يُتزوّد منها لما بعدها.
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تُبت إليك وإني من المسلمين).
لحظة بلوغ النضج واكتمال العقل. وكأن الله يقول لك: قد اكتمل زرعك، فابدأ حصادك، واستعد للقائك.. ربِ أوزعني..

حين تطوي الأربعينَ، تشعر أن الأرض أصبحت أكثر صمتًا، وأنك أنتَ أصبحت أكثر إصغاءً.. ليس لأن العالم تغيّر، بل لأن سكون القلب بدأ يغلب ضجيج الدنيا.
الأربعين.. ها قد عرفتَ طُرق التائهين، وذُقتَ طعم البدايات والنهايات، واقتربت من ذلك المفترق الذي لا يُخطئه عاقل: مفترق الرجوع إلى الله..

أليس عجيبًا أن يكون أوّل ما يُطلب عند الأربعين هو الشكر؟ لأن الأربعين هي قمة الجبل، حيث تنظر للخلف فترى كيف ساقك الله، وربّاك، وسترك، وغفر، وأعطى، ومنح، فكيف لا تنحني خابتًا شاكرًا؟
لقد آن أن تضع رأسك على الأرض، لا لأنك متعب، بل لأنك عرفت قدر الله، وخجلت من تأخيرك

الاستعداد للرحيل لا يعني انطفاء الحياة، بل يعني إشعالها بنور الطاعة، وإقامة الموازين على النفس قبل أن تُقام عليها.
الأربعين، هذا وقتك لتراجع طريقك، تصل ما انقطع، وتزرع الخير فيما بقي، وتحسن الختام قبل أن يُطوى الكتاب..

يا نَفْسُ.. أما آن لك أن تخِرِّي لله ساجدة؟
قد مضى عُمرك الأكثر، ومكثتِ في الأرض ما يكفي لتفهمي أن العالَمَ لا يسير على هواك، وأن الخطى إن لم تُقِمها لله، ضلّت عن الله.
يا نَفْسُ.. هذا الوجه الذي بدأ يرق، وهذه العين التي غلبها الدمع من حيث لا تدرين، وتلك الذكريات التي صارت تطرق بابك في صمت، كلُّها رسائل من ربك تقول: “عودي…

إن أجمل ما في الأربعين: أن تعرف الطريق، وتمضي فيه بقلب عارف، ولسان شاكر، وعين دامعة، وروحٍ مقبلة على ربّها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى