ولدٌ وغلام!
لاحظتُ في كل خطاب زكريا مطالبته بـ “غلام” ووهبه الله “غلامًا” وبشره بـ “غلامٍ”، وهكذا في كل الآيات التي ذكر الله فيها دعاء زكريا. قال: رب أنّى يكون لي غلام﴾.
إما مريم عليها السلام، فالأمر اختلف قليلًا، في سورة آل عمران قالت: ﴿رب أنّى يكون لي ولدٌ﴾.
وأما في سورة مريم فقالت: ﴿أنّى يكون لي غلامٌ﴾!
فما هو الفرق؟
الغلام يشمل الولد وغير الولد، فلذلك جاء التعبير به في قصة زكريا بأريحية، فلا يمكن أن ينصرف الذهن هنا إلا إلى المطالبة بولد، وكذا في كل ذكر للغلام في القرآن، كما في قصة إبراهيم ويوسف عليهما السلام، فالبشرى لرجالٍ، والتعبير بغلامٍ مريح ولا يحمل أي دلالة أو إيحاء.
الحال عند مريم مختلف، فحينما خاطبت ربها في سورة آل عمران، قالت: ﴿رب أن يكون لي ولد)، لأنها تخاطب من يعلم أنه ولدها حقيقةً، وقد وقع الأمر فلا مناص، مادام الخطاب من ربها، فسلَّمت!
لكن حينما كانت تخاطب الذي تمثّل لها بشرًا، كما في سورة مريم، قالت: ﴿أن يكون لي غلام)، لتُشعرَ ببعد هذا، وأنه توهمٌ منه، فالولد لا يكون إلا عن زواج ومساس.
ولفظ “الولد” أليق وألصق وأحبّ للنساء من لفظة “الغلام”، ولذلك حتى العزيز حينما طالب من زوجته الاهتمام بيوسف قال: ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾، ولم يقل غلامًا تحرزًا وتأدبًا مع زوجته.
وكذلك فعلت زوجة فرعون حين طلبت الإبقاء على موسى: ﴿لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾، تحرزًا وتأدبًا مع زوجها الفرعون.
القرآن يختار ألفاظه بدقة عالية جدًا جدًا، يعجز عن مجاراتها كل مخلوق.