ص

تخيل جماعات تلاحقك ببيداء من الأرض، وهي تفتح عليك ألسنتها بالسباب والتكذيب والاستهزاء، وتحاول ان تظفر بك لتقتلك أو توثقك أو تشهر بك! وأنت تتلفت إليهم مرةً لترى قربها منك وأخرى تلقي ببصرك أمامك ترى الطريق أو شاخصًا تتوارى به عنهم ريثما تلتقط أنفاسك للمواصلة، إذْ تنفتح أمامك أبوابُ قصر كبيرٍ لتقترب من أبوابه فإذا حدائق غناءة، وإذا بأسراب الطائرات تحلق بحمولتها لترميها على الجحافل التي تلاحقك، ومدافع تظهر فوهاتها من خِلالٍ على تلك الأسوار، والقذائف تنطلق منها باتجاههم! كيف أنت حينئذٍ؟!

شبيهٌ هذا بما فعلته سورة “ص“، فهي حزمة من الدعم المعنوي واللوجستي للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مصلحٍ من بعده! إن موضوعها هو النصرة والتثبيت والتطمين للنبي وكل من سلك سبيله.

لقد بدأت بـ “ص“، الحرف ذي الجرس الصاخب والامتداد الصوتي المتناسق مع جرسها مع حروفها الصفيرية والقلقلية، لتكوّن بمجموع ذلك حالة من الهلع تنتاب السامع ! المصاددة والمدافعة والصدّ والشدّ هو ما يتبادر للسمع مع وقعها، فلا عجب حينئذ من تأويل من قال إن معنى هذا الحرف “ص” هنا هو “صادٌّ” من الصدود، وإذا ما افترضنا ذلك فيكون سياق الافتتاح إذًا هكذا: هذا خبر معركة الصادين المكذبين مع القرآن ذي الذكر! أي ذي الرفعة، فكيف تكون معركة طرفها الأول صادُّ عنيد، والطرف الثاني قرآن رفيع ؟!

هكذا كانت البداية التشويقية لملحمة “ص” الدفاعية ثم الهجومية..
هجومات الصادين نُصبت، وهم في حالة نشوةٍ ﴿ عزَّة وشقاق﴾، وبدأوا في المهاجمة على القرآن وحامله، ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر كذاب﴾، ﴿ إنّ هذا لشيءٌ عجاب﴾، ﴿ إنّ هذا لشيءٌ يُراد ﴾، ﴿ إنْ هذا إلاّ اختلاق﴾، وتوّجوا ذلك بالاستعراض لعقولهم وإمكاناتهم المادية، ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾، كيف يكون ذلك ومكانتنا أكبر وسيادتنا أكثر ؟!

من منتصف الآية السابعة وحتى آخر السورة كانت ملحمة متكاملة للرد على هذا الهزء، فبدأ أولًا بتعرية مكانتهم العقلية ﴿ بل هم في شك من ذكري﴾، ثم عرَّاهم من مكانتهم المادية ﴿أم عندهم خزائن رحمة ربك ..﴾، ﴿ أم لهم ملك السموات .. ﴾، وأخبرهم بالنتيجة أنهم -مقدمًا – مهزومون ﴿ جندٌ ما هنالك مهزوم ..﴾، ليقرر أنهم مجرد جاحدين كذابين مكذبين، وليتهم مُنبَّرون مجتهدون فيه، بل مقلدون في هذا التكذيب لمن قبلهم ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد … ﴾،

كل هذا وما زال يرعبهم مباشرة في أول مواجهة، والنبي على أبواب حديقة القصر من داخلها، يرقب المشهد وهو يلتقط أنفاسه، ليلتفت إليه القرآن ويقول ﴿اصبر على ما يقولون﴾ ليعزيه ويسليه بمن كانوا مثله، ﴿واذكر عبدنا داود ﴾، ثم اصبر أيضاً ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾، في بلاء محنةٍ أشد، ثم اصبر ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ….﴾، ثم اصبر ﴿واذكر إسماعيل واليسع …﴾. وهذا الفصل الأول من التسلية بالأمثال والأقران، ثم يقول له انظر أمامك، ثمة ما ينتظرك، ويربط ذلك برابط جميل ووقف أنيق ﴿ هذا ذكرٌ، وإن للمتقين لحسن مآب •جنات عدن مفتَّحة لهم الأبواب ﴾، وإذا به يرى أمامه ويلج تلك الحدائق الغناءة، فكأني به حينها قد نسي مع تلك اللحظة كل ذلك القتال واللجاج والتكذيب والاستهزاء، ويلتفت التفاته بديعة وهو في ذلك المرتع ليشمت بأعدائه وخصومه، فيقول ﴿هذا، وإن للطاغين لشر مآب﴾، هذا لك ، ولخصومك ما تسمع وما يرون !

ثم ذكر له جدهم الذي اتبعوه في تكذيبهم وعنادهم وهو إبليس يبتدئ ذلك من: ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون …. إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا…﴾، ليهدأ روع النبي، ويُطل من شرفة على سور القصر، ويناديهم ﴿ما أسألكم عليه من أجر﴾، ﴿ما أنا من المتكلفين﴾، ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ القرآن شرفٌ ورفعة للعالمين فادخلوا تحت لوائه، وإلاَّ ﴿لتعلَمُنَّ نبأه بعد حين﴾.

إن كل آية في “ص” ما هي إلا قذيفة، وكل وحدةٍ موضوعية فيها ما هي إلاّ كتيبة، فإذا ترابطت تلك الوحدات الموضوعية فهي جيشٌ يجر العتاد فتسمع صليله وصكيكه وصريره!

أُراك – صديقي – وقد رقبت الملحمة هذه من بعيد، ستراها وتباشرها في أقرب لحظة تقف على ميدان “ص” وتنظر بعينيك القصر والشرفة التي أطلّ منها النبي، وترى بعض جنادل المكذبين على مسافة من أبواب القصر، وتشاهد غباراً كثيفاً متصاعداً من آثار حوافر خيول الفارِّين وأقدامهم! لا تغادر الميدان، انتظر قليلاً حتى ينقشع الغبار، انقشع الغبار، التفت باتجاه القصر، ماذا ترى ؟ لوحةً أعلى الجهة المقابلة من السور، مكتوب عليها ﴿والقرآن ذي الذكر﴾!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى