قرآنا عجبا

وإمام الحرم البارحة يقرأ في القيام على مشارف الختم سورة الجن: ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا﴾، تعجبت من اختيار الجن لهذا الوصف للقرآن (عَجَبَا)! ما هو العجب الذي شدهم حتى وصفوه به، وهو الله عجب عجب!

قرآنًا عجبًا! لا يُشبه شيئًا، ولا يُشبهه شيء. تمضي إليه مثقلًا، فيحملك، وتعود منه خفيفًا كأنك وُلدت من جديد. تقرأه فتشعر أنه يقرأك، وتبكي بين آياته وكأنها كُتبت لجرحك وحدك.

تئنّ روحك تحت وطأة الهموم، ويضيق صدرك بما لا تُفصح عنه، فتفتحه مترددًا، كسير القلب، وإذا بآياته تتلقّفك برفقٍ عجيب، كأنها كُتبت لك وحدك. تمضي في قراءته، وتنساب كلماته فيك كالماء في الأرض العطشى، فيبدأ شيء داخلك يتغيّر… ببطء أولًا، ثم كالسيل، لا يقف.. يُحيي كل ما مات فيك!

تقرأ: ﴿فإن مع العسر يسرا﴾، فتبكي… ليس لأنك لم تسمعها من قبل، بل لأنك لأول مرة تشعر أنها تقال لك، الآن، في هذا الظرف، في هذه الدقيقة. تشعر بأنك لست وحدك، إن الله يعلم، يسمع، ويرى.
يُبدّلك القرآن من مهمومٍ لا يرى مخرجًا، إلى مطمئن يرى في كل شدة طريقًا إلى الله.
ومن مهووس بالدنيا، يركض خلف وهمها، إلى مُقبل على الآخرة، يرى فيها النجاة والخلود.
تغدو الدنيا في عينيك صغيرة، ومهما عظمت، تصغر، يصغّرها القرآن العَجَبَا!

كنت خائفًا من المستقبل، من الناس، من الفقد، من الفشل… تقرأ: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾، فيُلقى في قلبك يقين، لا تحمله الجبال. تغدو شجاعًا، لا لأنك قوي، بل لأنك متوكل؛ لأنك آويت إلى ركنٍ شديد.
كنت أنانيًا، غارقًا في حب النفس، فتُعلّمك آيات القرآن كيف تحب لغيرك ما تحب لنفسك، كيف تكون عبدًا شكورًا، وابنًا بارًا، وأخًا ناصحًا، وزوجًا حنونًا، وجارًا كريمًا.
كنت قاسيًا، فإذا بالقرآن يُلين قلبك، تدمع عيناك لآية، وترتجف جوارحك لوعيد، وتشرق روحك بوعد.

القرآن لا يُقرأ فقط، بل يقرأك، يُفتّشك، ويكشف ما في داخلك، ثم يُصلحه.
هو ليس كتابًا عاديًا، بل لقاء… لقاء بينك وبين الله.
كلما أقبلت عليه، أقبل هو عليك أكثر، وكلما خذلتك الدنيا، وجدت فيه ملاذك.
يبدّلك، يُعيدك إلى فطرتك، يُطهّرك من شوائب الحياة، ويمسح عنك غبار التعلق بما لا يدوم.
وما أن تفرغ من تلاوته، حتى تخرج إنسانًا آخر… إنسانًا يعرف لماذا خُلق، ولمن يعيش، وأين يسير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى