الحرية التي يصنعها القرآن
﴿وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ﴾
قد يتحرك الإنسان حرّ الجسد، مطلق الإرادة، لكنه في داخله مكبّل بالخوف، بالحسد، بالرغبة في رضا الناس، أو بالشهوة أو بتقديس غير الله أو بشعور بالنقص أو بالتقاليد أو الثقافة السائدة أو الثقافة المنتصرة!
﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ﴾ (الشُّورَى: ٥٢) القرآن نزل "روح"، لأن الناس كانوا أحياء الأجساد، موتى الأرواح، أسرى الداخل.. لقد حرر القرآنُ القلبَ من أغلاله!
حرره من الخوف من غير الله، ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦﴾ (الزُّمَر: ٣٦)، ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥﴾ (آل عِمۡرَان: ١٧٥).
فلا يخاف من بشر، ولا من رزق، ولا من فقدٍ، ولا من كلام الناس، ليس غبيًّا ولا متهورًا، لكنه لا يعيش مرعوبًا.
لقد قيل للنبي ﷺ في بداية الطريق: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ (المَائـِدَة: ٦٧)، فجعلها أمامه، ولم يترك العمل بالأسباب، فالحرّ من اتخذ الله وكيله، ثم عمل بالأسباب، لا من جَمَع الأسباب واتكل عليها.
وحرره من العبودية للشهوة والهوى، ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ (الجَاثِيَة: ٢٣)، ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١﴾ (النَّازِعَات: ٤٠).
إن الحر ليس من يُتبِع نفسه هواها، بل من يُربّيها.
حرره من تقديس المخلوقين، ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التَّوۡبَة: ٣١)، لا شيخ، ولا زعيم، ولا عالِم، ولا وليّ، ولا زعيم حزب له سلطة على قلبك، أو توجيه بلا برهان.
القرآن علمه أن الرب هو الله، والحكم لله، وأن الطاعة لا تكون لغيره إلا في المعروف وبالمعروف!
حرره من ضغط الجمهور والجماعة والتقليد، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠﴾ (البَقَرَةِ: ١٧٠).
﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨﴾ (الأَعۡرَاف: ٢٨).
بل صار مستقل القلب والعقل، قوي البصيرة، ﴿وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ﴾ (الشُّورَى: ١٥).
حرره من الشعور العميق بالذنب، الذي يقعده عن الرجوع: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣﴾ (الزُّمَر: ٥٣).
حرره من فتنة المال والبقاء، ﴿وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سَبَإ: ٣٩)، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١﴾ (التَّوۡبَة: ٥١).
أكثر الناس أسرى للوظيفة، والراتب، والبيت، والتأمين، والمستقبل! لكن القرآن يقول:
﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢﴾ (الطَّلَاق: ٢). والحر هنا ليس من ترك المال، بل من لم يجعله قيده النفسي، ومعبوده المبطّن.
والحرية التي أرادها القرآن ليست فوضى، ولا خروجًا على القيم، بل هي العبودية لله وحده..
﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ﴾ (الأَنۡعَام: ١٢٥). والشرح هنا هو الانفكاك من كل غم، كل قيد، كل خوف، كل ضغط.