الوساطة الزائفة
﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾
من أعظم مظاهر الانحراف الديني في تاريخ الإنسان تحول العلاقة بين العبد وربه من وصال مباشر إلى نظام وسائط، تتحكم فيه طبقة من "الخواص" الذين يحتكرون الحديث باسم الإله، ويحتكرون فهم النص، ويحتكرون مفتاح الغفران، ويفرضون قداسة لا تُساءل.
في كل أمة انحرفت عن الوحي، ظهر هذا المرض في أشكال متعددة:
أحبار يهود يحرّفون الكلم من بعد مواضعه.
رهبان نصارى يجعلون من الكاهن بوابة للمغفرة والجنة.
كهنة الجاهلية والوثنية يصدرون الأوهام باسم الغيب.
قام القرآن بهدم شامل لهذا الهرم الكهنوتي من جذوره، واجهه مواجهة مباشرة: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١﴾ (التَّوۡبَة)
﴿وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠﴾ (آل عِمۡرَان) .
﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤﴾ (آل عِمۡرَان)
هذا وصف حقيقي لوقائع حقيقية لا مجازية فيها، فحين يطيع الناس "رجال الدين" والمشايخ والكبراء والأمراء طاعة عمياء، ويمنحونهم صلاحية التشريع، أو يغلّفون أقوالهم بقداسة لا تُرد، فهم – في عرف القرآن – يعبدونهم.
وقد قدم عدي بن حاتم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية : ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١﴾، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه، قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم». [أخرجه الترمذي وغيره]
وهنا بيت القصيد: تأليه الكبراء والمشايخ لا يعني السجود لهم، بل قبول كلامهم كتشريع فوق الوحي، أو دونه، أو بدونه.
حتى حين تحدث القرآن عن أعظم البشر – محمد ﷺ – لم يرفعه فوق بشريته، ولم يجعل له قداسة مطلقة، بل أكّد على صفته الأولى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾ (الكَهۡف)
ليس في الإسلام باب للكهنوت، ولا لحامل الأسرار الإلهية، بل كان النبي ﷺ نفسه يُخطئ في الاجتهاد، فيُصححه الوحي، ويُعاتَب من ربه أمام الناس: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ﴾ (التَّوۡبَة) ، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤﴾ (عَبَس) - .
والنتيجة:
لا أحد فوق الوحي.
لا أحد يُمنح حصانة دائمة، ولا خطابًا غير قابل للتأمل أو الرد.
في الجاهلية القديمة والحديثة، كانت المرجعية في الدين للأُسر والأنساب: فلان "ابن الكاهن"، وذاك "من نسل إبراهيم"، وهذا “من بيت النبوة، والقرآن يواجه الجميع بحقيقة: يقول: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥﴾ (الجَاثِيَة) .
فإذا رجعوا إليه واجههم بحقيقة: ﴿فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١﴾ (المُؤۡمِنُون) .
وأعلن بوضوح لا لبس فيه، يسمعه الجميع : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ﴾ (لُقۡمَان) .
لقد سمع الناس بوضوح: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩ وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠﴾ (آل عِمۡرَان) - .
وهذه الآية وحدها كافية لإسقاط آلاف الأصنام التي صُنعت قديمًا وحديثًا في تاريخ التدين والتعبد!
القرآن يفرض سؤالًا صعبًا على كل ادعاء وموروث:
من قال هذا؟
ما دليله؟
هل يُوافق كتاب الله؟
هل هو حجة على الناس أم لا؟
إذن، لا حاكم، ولا شيخ، ولا مفتي، ولا والد، ولا أمير جماعة، يملك على المسلم أن يُلغي عقله أو يكتم ضميره.
في الجاهلية، والعصور الوسطى، والحقب الاستبدادية، كان العوام يُساقون باسم الدين، دون أن يُسمح لهم بالتفكير، أو حتى بالسؤال، حتى تشكلت الوثنيات داخل الأديان وباسمها!
لكن القرآن نزل بلغة الناس، وخاطب العقول، لك عقل فاسأل، لك كتاب فافتحه.
وليس لأحد أن يسرق منك حقّك في الفهم والوصول.. كل من جعل من الدين مطية، ومن نفسه ظلًا لله، ومن الناس قطيعًا يتبعه بلا بينة.
فالقرآن لا يعرف "الكهنوت"، بل يعرف "الربانية": ﴿وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ﴾ (آل عِمۡرَان)
والفرق شاسع بين:
من يُربّي الناس على الحق،
ومن يُربّي الناس على شخصه.
فإذا رأيت رجلًا يقول: "قال الله"، فأنصت له.
وإذا قال: "قالت طريقتي، أو حزبي، أو سلالتي، أو أنا"، فقل له: أرِني دليلك..
بهذه الجرأة، وبهذا التوحيد، وبهذا التحرير من التسلط "المقدس"، فتح القرآنُ البابَ لأمة تفكر، وتُحاسب، وتزن الرجال بالحق، لا العكس..
القرآن لم يصنع أمةً تابعةً للكهنوت، بل أمة حرة، مرجعها الكتاب، لا المشايخ والكهنة.. مَن يُلبّسون لبوس القداسة بلا نص، وبلا فكر، بلا دليل، وبلا مسؤولية.