تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
د.أحمد بن علي البتيت
بحث
مقال

مركزية القرآن

28 أغسطس 2026 مركزية القرآن

ليس في التاريخ كله كتابٌ أشعل ثورةً فكرية وأخلاقية واجتماعية كالتي أشعلها القرآن. لقد نزلت كلماتٌ معدودات على رجلٍ وحيدٍ في غارٍ معزول، فما هي إلا سنوات قلائل حتى زلزلت هذه الكلمات عروشًا، وأطفأت نيرانًا، وأيقظت أُممًا، وأعادت صياغة الإنسان من جديد.
ليست هذه الثورة ثورةً بالمعنى التقليدي للثورات، تلك التي تبدأ بصراخ وتنتهي بخيبات! إنها ثورة تبدأ من الأعماق، من القلب والفكرة والضمير، فتمتد إلى السلوك والمجتمع والدولة.. ثورة لا تُراق فيها الدماء، بل تُبعث فيها القلوب، ولا تُستبدل فيها الأسماء، بل تُستعاد فيها القيم.
إن القرآن ليس نصًا جامدًا يُتلى في المحاريب وتُزين به الحوائط، بل هو مشروع تغيير، ومنهج بناء، وسلاح مقاومة، ودستور نهضة. كل آية فيه قنبلة نور، تهدم باطلًا وتُقيم حقًا، تخلع صنمًا وتغرس مبدأ..
نحاول أن نعيد اكتشاف القرآن:
كيف غيّر الإنسان؟
كيف قلب البنية الاجتماعية؟
كيف تصدى للباطل والطغيان؟
كيف صنع جيلًا نادرًا كتب أعظم فصول التاريخ؟
كيف أنشأ حضارةً خالدةً تتجدد؟
حين بزغ فجر الوحي، لم يكن الإنسان في أبهى حالاته. كانت "الجاهلية" -كما أسماها القرآن- أسوأ من كونها مرحلة زمنية، كانت حالة شاملة من الانطفاء الروحي، والخلل الأخلاقي، والتشوه الاجتماعي. رجلٌ يدفن ابنته حيّة، وآخر يعبد حجرًا لا يسمع ولا ينطق، وزعيمٌ يقهر شعبًا ويستعبد الرقاب باسم الدم والنسب..
لم يكن الناس يعيشون بلا دين، بل كانت الأديان منتشرة، لكن الوحي انقطع، والحق انزوى، والدين صار طقوسًا خاوية، ووسيلةً للهيمنة أو للخداع أو للهروب من المسؤولية.
الروح أضحت مكسورة، والعقل مأسورًا، والمجتمع مشلولًا تحت أقدام الجهل والجبروت.. في هذه الظلمة المتشعبة، أضاء الوحي ليواجه كل هذا الضياع والتيه والقسوة.. نزل القرآن حتى غاص في الجذور.. وهزّ الجذوع! ليكون في مواجهة مباشرة مع الجاهلية..
هذه الصفحات محاولة متواضعة لقراءة المعجزة.. معجزة ليست في البيان فحسب، بل في التغيير أيضًا.. نغوص في كلماته لا بوصفها وحيًا مقدسًا فقط، بل كمحرّكٍ تاريخيّ، ومفتاحٍ حضاريّ، ومشعلٍ روحيّ لا يخبو. نحاول أن نقرأ القرآن كما قرأه الصحابة أول مرة: ليس ليحفظوه، بل ليُغيّروا به أنفسهم والعالم من حولهم.
ومن أراد حقًا أن يرى صنيع "ثورة القرآن"، فليتأمل أثره على العرب الذين كانوا شراذم، فصاروا قادة، وعلى الأمم التي كانت في سبات، فصارت في صدارة الحضارة..