15 أغسطس 2026
لا تغفل عني فإني مكروب!
لا تغفل عني فإني مكروب!
قال المحدِّث يونس بن عبد الأعلى: (ما رأيتُ أحداً لقيَ من السقم ما لقي الشافعي؛ فدخلت عليه، فقال لي: أبا موسى، اقرأ علي ما بعد العشرين والمائة من آل عمران، وأخف القراءة، ولا تثقل. فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني؛ فإني مكروب!).
مهما علا الشخص، وظن الكفاية والاستغناء عن الأصدقاء والأخلاء، فإن الإنسان بطبيعة تكوينه يخلد إلى الاستئناس بالرفيق وتطميناته واهتمامه.
وليس من المعيب إظهار ذلك لمن خلصت مودته، ولا منقصة فيه، بل تكلف كتمانه هو المنقصة من حيث أن التكلف مذموم، ومن حيث كونه مدعاة للكبر وادعاء الاستغناء.
مع نفرة النفس البشرية عمومًا عمن هذا حاله، بله من يتكلفها!
هذا الشافعي لم يستنكف من بث كربه إلى أحد طلابه، بهذه العبارة الموحية بالألم من جهة، والحب الصادق من جهة ثانية، والتواضع الكامن في نفس هذا الإمام من جهة ثالثة.
في سيرة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم أنه خرج ليلةً مظلمة، فالتقى أبا بكر وعمر، فقالا: أخرجنا الجوع يا رسول الله!
فقال لهما: لله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما!
هكذا من دون أن يستثقل القول أو يحور الكلمات.. وكذلك فعل أبو بكر وعمر حين التقيا في ليلة الجوع تلك!
ثم إن في تبادل البث جبرٌ للخواطر، ولو بكلمة، أو شق تمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة!
فإن كان هذا الباب مغلقًا لديك؛ فقد حرمت نفسك تمرات كثيرات!
إنه كان من طبيعتي النفسية أن لا أسأل أحدًا عن عوارضه، فإن تكلّم وبث واسيتُه وما قدرتُ من غير القول إن أسعفَ، ولم أغفل عنه، بل أهتم بأمره.. ثم رأيتُ أن هذا غير كافٍ، ولا بدَّ من المبادرة!
فمذْ فترة ما جلستُ مع صديقٍ أشعر بكلْمِه أو وجعِه إلا تبسطتُ له ولاينته وحاولت أن أستخرج كوادره، ثم أناقشه وأصابره وأسارره.. لعل الله أن يُلقي في روعِه ما يكشف به روعَه!
في ظل هذا الواقع المرير الذي يعيشه الجميع بلا استثناء، يليق بهذا الخُلُق أن يأخذ مكانه من شخصيتك، ففضلًا عن أنه احتياج لك فطري؛ فإنه كذلك فتحٌ لمغلاقك، فيقول لك صديقٌ يومًا: لا تغفل عني فإني مكروب!