الفصام النكد
﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾
من أكبر أمراض التاريخ البشري أن يتحول الدين إلى شأن خاص، يُعاش في الزاوية، ويُحفظ في القلب، ويُمارَس في أوقات معينة، ثم يُطوى عند أبواب السوق، والسياسة، والمجتمع، والفكر.
أعاد القرآن تعريف "الدين" ذاته:
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ (آل عِمۡرَان) .
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ﴾ (البَقَرَةِ) . ماذا تعني "كافة؟!
تعني: الإسلام ليس باب المسجد فقط. بل باب السوق، وباب البيت، وباب الحكم، وباب النفس.
يقول: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ﴾ (البَقَرَةِ) .
ويأمر: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩﴾ (الرَّحۡمَٰن) .
ويقرر: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣﴾ (المُطَفِّفِين) - .
ويحمّس: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ (الأَنفَال) .
ويقنن: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (البَقَرَةِ)
ويتدخل في بشكل مباشر في كل مناح الحياة.. لقد كانت الجاهلية الأولى -والحديثة على إثرها- تقيم الطقوس ثم تظلم، وتدعي الحمية ثم تغش، وتذكر الله ثم تخون: ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣﴾ (المَاعُون) - .
ألغى القرآن هذا الفصام النكد:
1. بين الظاهر والباطن، فلا تكفي "النية الطيبة" إن لم تُترجم إلى عدل، ولا تنفع "مظاهر الصلاة" إن لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر.
2. وبين العبادة والمعاملة، وإن كان «الدين المعاملة» ليس حديثًا نبويًا، لكنه وصف صادق لروح القرآن وأهدافه، فكل سلوك في الإسلام إمّا طاعة أو معصية، لا شيء بلا حكم!
إنه تحويلٌ للحياة إلى مسجد كبير:
في البيع: صدق.
في الزواج: ميثاق.
في القيادة: أمانة.
في الحرب: قيم.
في النوم والطعام والمرح: نية.
لذلك لم يكن الصحابة يعرفون "دينًا خاصًا"، بل كانوا يرون الدين روحًا تسرِي في كل شيء..