تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
د.أحمد بن علي البتيت
بحث
مقال

توحيد الاستعانة

30 أغسطس 2026 مركزية القرآن

﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾

من أعظم ما جاء به القرآن أنه أزال كل المعلقات من القلب، ونزع كل "الأوتاد" التي يتكئ عليها الإنسان حين يخاف أو يفزع أو يطمع.

الناس قبل القرآن كانوا إذا خافوا لجؤوا إلى شيخ قبيلة، أو صاحب مال، أو صنم حجري، أو ساحر، أو نجم، أو صاحب جاه، أو قبر وليّ يزعمونه!

والقرآن جاء بمفرَدة مفجّرة: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ (الفَاتِحَةِ)

لا نعبدك ويعيننا الناس..

ولا نستعين بك وبفلان..

بل "إياك" وحدك… نفردك بالعبادة والطلب، والركون والانكسار، والسؤال والنجدة.. لا نبعد إلا أنت حصرًا.. ولا نستعين إلا بك أنت حصرًا..

لا يتحرر حتى تُقطع عنه حبال التعلّق، ولا يصير توحيده خالصًا حتى يخلو قلبه من "رجاء المخلوقين" و"فزع المحتاجين"..

لقد ترجمه النبي ﷺ بوضوح: «إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله»

فالقرآن يريد قلبًا:

لا يخضع إلا لله،

ولا يذل إلا لله،

ولا يركن إلا لله،

ولا يرجو إلا الله

﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ﴾ (الطَّلَاق) .

من يطلب من الله لا يَذِل للخلق.

ومن يسأل الخالق، لا يُهان عند الأبواب.

ومن يتوكل على الله، لا يرتجف أمام القرار أو القَدَر أو البشر.. ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ﴾ (الزُّمَر) ؟

بهذا اليقين ربّى القرآن جيلاً لا يُرهبه عرش، ولا يُكسِره سجن، ولا يُغريه منصب.. جيلًا كان يستمد قوته من أعلى، لا من المال، ولا من الحشود، ولا من الضمانات الأرضية.