تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
د.أحمد بن علي البتيت
بحث

16 أغسطس 2026

همّ عظيم

من ليلة 27 رمضان إلى ليلة 29 رمضان، وقعتُ في همٍّ عظيم، وخاطرٍ مهلك، ووسواس قاهر، أرهقني جدًا، وضيّق عليَّ صدري، أدعو الله في سجودي وكل أحوالي أن يرشدني، ويزيل كربي!

ذلك أني رأيت الزحام التاريخي للحرم المكي، الذي لم ترَ عيني مثله، أكثر من 2 مليون ونصف مسلم، ما بين تالٍ وساجدٍ وراكعٍ وداعٍ وطائفٍ وساعٍ.. ثم قلتُ في نفسي: وأكثر من مليار مسلم هذه الليلة على بعض هذا الحال أيضًا في كل مساجد الدنيا، هذا إذا استثنينا المليار الثاني!

ثم عدتُ لنفسي: نحن نناجي الله، وندعوه بهذه الكثرة الكاثرة، ونحن المسلمون له حقًا، ثم حالنا كما نرى، ظلمٌ وقهرٌ ووجعٌ وحروبٌ ودماءٌ وفقرٌ وتسلطٌ.. الخ، أما فينا من يسمعه الله؟ أما فينا من يرحمه الله؟ أما فينا من يستجيب الله له؟ ألسنا عباده المسلمين؟!!

وكبُر هذا الخاطر المؤلم في رأسي، حتى كدّر عليَّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ليلة 29 كان الختم في صلاة التراويح، وفي صلاة التهجد لم يبدأ الإمام مصحفًا جديدًا من سورة البقرة كالمعتاد، بل قرأ الإمام في الركعات الأولى سورة إبراهيم، وفي الركات الأخرى سورة الروم، لقد كانتا هدية الله لي، وعيدًا قبل العيد، وفرحةً قبل فرحة تمام الشهر، وشفاءً لهمّي وكربي..

لقد استوعبتُ الدرس جيدًا من محاورة الرسل وأقوامهم في بداية سورة إبراهيم: قالت لهم رسلهم أفي الله شك؟، ولنصبرنّ على ما آذيتمونا.. قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا﴾..
لتصل السورة إلى ذروة البيان في نهايتها: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.. فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام.. هذا بلاغ للناس﴾..
كنتُ أنا الناس في تلك اللحظة!

ثم افتتح الإمام التالي سورة الروم: وهم من بعد غلبهم سيغلبون.. لله الأمر من قبل ومن بعد.. ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.. فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.. وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه.. وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون.. ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.. فأقم وجهك للدين القيم.. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان﴾..
لتصل السورة إلى ذروتها وختامها: فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾.
لقد كنتُ أنا المأمور بالصبر في تلك اللحظة!

بردًا وسلامًا يا رب.. لك الحمد، لقد داويتني.. لقد علمتني السورتان تلكم الليلة الختامية:
- أن التدافع البشري سُنة الله في خلقه.
- أن النصر والتمكين في الدنيا لمن سعى.
- أن الدين شامل، كما أمر بالصلاة أمر بالتجهيز والعمل وعد العدة في كل ميادين الحياة.
- أن الكثرة ليست مقياسًا وحدها.
- أن الدنيا ليست نهاية المطاف.
- أن العاقبة في الدنيا والآخرة لمن آمن.
- أن الدين لا يقوم إلا بجناحين، علم وإيمان.
- أن الصبر على الأذى واليقين بموعود الله = أمرٌ إلهي مهم.
- أن في القرآن إجابة وافية على السؤالات الكبرى.
- أن إجابة الله للدعاء ليست بعجلتنا، بل بحكمته كيفًا ووقتًا.

•- فاصبر إن وعد الله حقٌ﴾ الروم
•- هذا بلاغ للناس﴾ إبراهيم