16 أغسطس 2026
أنواع الاهتمام
هذا الذي سأخبرك به عالٍ جدًا، لذلك اخترتُ هذا التوقيت لتقرأه على رواق..
الاهتمام ثلاثة أنواع: اهتمام بالشيء، واهتمام بالشخص، واهتمام بالفكرة.
أما الأول، وهو الاهتمام بالأشياء فهو اهتمام الأطفال ومن في حكمهم، فلا يهمه ماهية الشيء ولا قيمته، فهو يهتم بشيئه كيفما كان، يحافظ عليه ويحرسه، ويبكيه ويضحكه، وقد يترك كل ما في يديه من عظيم وجليل وينصرف لشيئه!
ألا ترى إلى الطفل عنده عشرون لعبة، لكن إن أخذتَ واحدةً منها انصرف حسه وفكره إليها، وظل يبحث عنها ويبكيها حتى تعيدها له! وربما خسر بقية الألعاب تسعةَ عشرها، أو ضاعت عنه وهو يبحث عن تلك اللعبة الواحدة!
كم من المواقف والأفكار والحوارات والنقاشات… الخ، تمسكنا بها لأننا نراها أشياءنا فقط! لا لأهميتها وذاتيتها وصوابيتها.. تأمل ذلك.
وهؤلاء هم السواد الأكثر ممن حولك، والجمهور الأكبر، فلا تقترب من أشيائهم!
والثاني، الاهتمام بالشخص، لا بالموقف، لا بالفكرة، لا بالصواب والخطأ، لا بالعقل، لا بالمنطق..
الشخص هو نافذة كل ذلك، فما قاله أو فعله أو قرره فهو الصواب، وغيره: إما غير صواب، أو يُتوقف فيه حتى يُعرض على الشخص!
وكم هي تلك الأفكار والرؤى والأطروحات التي رُدت بسبب أن قائلها ليس مرضيًا أو ليس معروفًا أو ليس على هوانا أو ليس من جماعتنا أو لا يعجبنا شخصه أو ليس ذا يسارٍ أو غير ذلك من الأمور التي ليس لها علاقة موضوعية.
وفي المقابل ستمر تلك الفكرة والموقف ووو لو كان من شخصية موافقة فيما سبق.
هؤلاء هم عبَدَة موسى لا رب موسى، لا يعرفون الحق وإنما يعرفون شخصيات، إن قالته فهو الحق وإلا فلا!
ولذلك يضطر بعضهم لِلصق فكرته بشخصٍ قِدّيسٍ عند هؤلاء ولو من طَرفٍ خفي ليمررها!
وهؤلاء -أعني المهتمين بالشخص لا بنتاجه- هم الجنود العمي الصم البكم، فما عساك تصنع مع مَن هذا حاله!
وأما الثالث، وهو الاهتمام بالفكرة، فهذا نادر، لا يبالي بمن قال، بل بما قال، ولذلك لمّا أراد أحدهم أن يحاجج الشافعي، قال مفخمًا: لكن الإمام مالك قال -وأخذ يمدح مالكًا-، فقال له الشافعي: دعنا من مالك… ماذا قال؟
أي: دعنا نسمع ما هو القول أما القائل فلا يهم من هو.
في عوالمك ستصادف هذه الاهتمامات، ونادرًا ما تصادف الثالث، وهو الاهتمام الذي ينبغي أن تكون عليه، فالحرّ لا ينظر للمتعلقات، ولا للقوالب، بل للنتائج والأفكار.
ألفتُ عنايتك أخيرًا، إلى أن القرآن قد طرق ثلاثة هذه الاهتمامات وناقشها بلفتات غاية في الجمال.. فتتبعها في القصص ومحاججة الأنبياء لأقوامهم وردودهم على محاوريهم، وفي غير تلك المواطن.