16 أغسطس 2026
سؤال النشء
من أكثر ما يواجهني به النشء في البرامج العلمية وغيرها، سؤال يحيرهم، وهو: لماذا كل هذه الاختلافات حول قضايا الدين؟ فلماذا تعدد المذاهب والآراء، فهذا الفقيه يحلل وهذا يُحرم، وهذا يبيح وهذا يستحب وهذا يُكرّه.. الخ.
ثم يردفون ذلك: هذا ليس دين الله، فدينُ الله واحد..
وهذه الفكرة تجدُ رواجًا بينهم، وينشرها بعضهم بلا رويّة ولا تبصّر.. ولو تفكّر قليلًا لَلَام نفسه، واتهمها بما لا يحب من أوصاف!
لكن الجميل أن كثيرًا منهم حينما يتبين له يؤوب لرشده، ويلوم نفسه على غفلتها في مثل هذه الفكرة الساذجة، مالم يكن مكابرًا.
أقول دائمًا في جواب هذا الطرح: عجبًا، لقد جعلتم واحدةً من أكبر مِيَزِ هذه الشريعة سببًا في نقدها!!
أولًا: إن الشريعة كلها نصوص وألفاظ وأقوال، فالقرآن كلام الله، والسُنة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والألفاظ في كل لغةٍ قوالب تحمل معاني.. والمعاني تتعدد وتتكاثر بحسب بلاغة المتحدث وإرادته ثم بحسب فطنة المستمع المتلقي ونباهته وفطنته.
إننا لا نتعامل مع أجرامٍ وأجسام، لا تحتمل إلا هيئة واحدةً ومعنىً واحد.. بل مع معنويات لها معاني تؤثر.
ثانيًا: لقد راعى الشارع الحكيم أمورًا كثيرة، فجعل نصوصه حمّلة معاني، تتقادحها الأذهان، وتتبارى في استنباطها العقول، وأهمّ تلك الأمور التي راعاها (رفع الحرج)، فهذا الزمان يناسبه هذا التأويل للنص، وذاك الزمان قد لا يناسبه، وهذا المكان يناسبه، وذاك المكان قد لا يناسبه، وهذا الشخص والظرف والطبيعة وووو يناسبها هذا ولا يناسبها ذاك.. فكانت الشريعة مرنةً في فهمها، بحسب مقتضى الحال.
وإذا كانت البلاغة عند البلاغيين تعني: مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فإن الشريعة -وهي البلاغ المبين- تراعي مقتضى حال البشر في فهمها.
ولكن تلك الأفهام لنصوص الشرع والشريعة مرتهنةٌ كل الارتهان لمفهوم اللغة العربية، ولمقاصد الشريعة الكبرى، التي تتفق عليها جميع الأفهام.
ثالثًا: إن نصوص الشريعة محدودة، والحوادث والأحداث كثيرة جدًا، ولابد لكل حادثة من حكم شرعي، لأن الجميع من عند الله، أحداثًا وأحكامًا، لذلك تثري عقول الفقهاء تلك النصوص، فتستخرج منها أحكام الحوادث الجديدة وحِكمها، فتضم المثل للمثل، والشبيه بالشبيه، وما يقرب لبعضه، وما يبعد عن أترابه، حتى تنزل الحكم على الحادثة.
رابعًا: ولما كان الأمر كذلك، كان لابد أن تختلف الرؤى وتتعد، بحسب قوة النظر، وزاوية النظر، ومكان وزمان النظر في الحوادث والنصوص.
إن هذا النقاط التي وضعتها لك هي مقتضى ما تمارسه البشرية كلها في التعامل مع النصوص والكلام، وإلا لَوجب أن يكون الناس نسخةً واحدةً في الفهم، ولَوجب أن لا يتغير مكان وزمان الإنسان، ويبقى ثابتًا.
وسأضرب لذلك مثلًا: ألا ترى كل دول وجماعات العالم بل وكل الشركات والمنظمات والأنظمة تضع لها قوانين ودساتير وأنظمة ولوائح تنظم عملها ومهامها وإجراءتها، ثم إنها بعد ذلك -بل وأحيانًا مع ذلك- تنشئ لجنةً وظيفتها تفسير نصوص الدساتير والقوانين والأنظمة تلك!!!
مع أنهم هم أنفسهم من وضع تلك القوانين!!
وما ذلك إلا لأن النظر في النصوص والقوانين يتغير من شخص لشخص، ومن زاوية لزاوية، بل الشخص نفسه قد يقرأ النص المكتوب فيفهم شيئًا، ثم يقرأ النص مرة أخرى فيفهم شيئًا آخر، موافق أو معارض أو مخصص أو معمم … الخ.
هذا التنوع في الفهم يثري البشرية، ويجلها أكثر تفاعلًا مع بيئتها ومحيطها.
والإسلام هو دين البشرية كلها، ممتد زمانًا ومكانًا إلى ما شاء الله، لذلك فقد كانت قوانينه ونصوصه في منتهى الدقة والمرونة، لتنقدح في أذهان الأذكياء على حسب الحوادث، فيردونها إلى أحكامه وحِكمِه.
ألا له الخلق والأمر)، أي: له وحده خلق الحوادث جميعًا، ثم له الأمر فيها، والأمر هو الحكم والبيان.
ولك أن تتخيل الحرج البالغ لو أُلزمَ الناس بفهمٍ واحدٍ لنصوص الإسلام.. فهمٍ واحدٍ زمنًا ومكانًا وبيئة.